نور من نهج البلاغة
خلاصة العمر 8
عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه
الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها:
(وَاعلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لاَتَتْكَ
رُسُلُهُ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَعَرَفْتَ
أَفْعَالَهُ وصِفَاتِهِ، وَلكِنَّهُ إِلهٌ وَاحدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، لاَ
يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ، وَلاَ يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَلْ، أَوَّلٌ
قَبْلَ الاْشْيَاءِ بِلاَ أَوَّلِيَّة، وَآخِرٌ بَعْدَ الاْشْيَاءِ بِلاَ
نِهَايَة، عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بَإحَاطَةِ قَلْب أَوْ
بَصَر).
لا توجد مسألة في حياة الانسان اهم
من مسألة معرفة الله الخالق العظيم الذي خلق واوجد كل شيء بقدرته وارادته، ثم
ادام وجوده وحياته لمدة معينة، ثم يميته ليبعثه يوم القيامة للحساب كما اوضح في
كتبه واخبرت به انبيائه وحججه، اذ بمقدار المعرفة الصحيحة تكون سلامة الاعتقاد
وحسن العاقبة ، ومن هنا فقد تضمنت وصية الامام الحديث عن التوحيد الحق وصفاته،
اذ لو كان هناك خالق غير الله لجاءت رسله الى الناس تخبرهم عن وجوده وعن اثار
خلقه وملكه وافعاله وحقه على المخلوقين وما يريدهم منهم، الا ان هذا لم يحدث
فكل شيء ينتهي الى وجود خالق قادر حكيم له الخلق كله واليه يرجع الامر كله كما
اخبر في كتابه الكريم بكل آياته الدالة عليه كقوله تعالى:
[اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ
وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي
يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ]، وكقوله تعالى:
[إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ
اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن
بَعْدِ إِذْنِهِ، ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا
تَذَكَّرُونَ، إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا، وَعْدَ اللهِ حَقًّا، إِنَّهُ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ
وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءً، وَالْقَمَرَ نُورًا، وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ
السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، مَا خَلَقَ اللهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ]، فهو الاول قبل الخلق
والانشاء والاخر بعد فناء الاشياء، عظم من ان تراه الابصار او تبلغه الاوهام
وجلّت ربوبيته ان تثبت بإحاطة قلب او بصر فكل شيء يدل عليه كما ورد في دعاء
الامام الحسين في عرفة بقوله:
(متى غبت حتى تحتاج الى دليل يدل عليك ؟ ومتى بعدت حتى تكون الاثار هي
التي توصل اليك ؟ عميت عين لا تراك عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من
حبك نصيبا).
(فَإِذَا عَرَفْتَ ذلِكَ
فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ،
وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ، وَكَثْرَةِ عَجزِهِ، عَظِيمِ حَاجَتِهِ
إِلَى رَبِّهِ، فِي طَلَبِ
طَاعَتِهِ، وَالرَّهْبَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ،
فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلاَّ بِحَسَن، وَلَمْ يَنْهَكَ
إِلاَّ عَنْ قَبِيح).
فمن ادرك عظمة ربه التي تجلّت في
مخلوقاته وعرف مقدار عجزه وعظيم حاجته لربه في كل شيء فان عليه ان يمتثل لطاعته
وينتهي عن معاصيه، خشية ورهبة وخضوعا واجلالا ومعرفة بأن الله سبحانه لم يأمر
بشيء الا لمصلحة العباد ولم ينهى عن شيء الا وقاية لهم من عقوبات الدنيا
والاخرة.
(يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا،
وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا، وَأَنْبَأْتُكَ عَنِ الاْخِرَةِ وَمَا اُعِدَّ
لاِهْلِهَا فِيهَا، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الاْمْثَالَ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا،
وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا)
فلقد اتم الامام الحجة في توضيح
طبيعة الدنيا وتقلباتها وعدم استقرارها على حال، وما اعده الله في الاخرة من
ثواب للمطيعين ومن عقوبة للعاصين، وما يكون فيه عبرة وقدوة يحتذى بها ويسار على
خطاها للوصول الى سلامة الدارين.
💠 (إِنَّمَا
مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْم سَفْر (اي مسافرون)،
نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ {اي حلوا في منزل مقحط لا قوت فيه ولا
ماء}، فأَمُّوا {اي
قصدوا} مَنْزِلاً خَصِيباً
وَجَنَاباً مَرِيعاً {اي توجهوا الى مكان اخر كثير العشب وافر الماء}،
فَاحْتَمَلُوا وَعثَاءَ الطَّرِيقِ {اي مشقة الطريق}،
وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ{اي صعوبته}،
وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَمِ
{اي الطعام الغليظ}،
لِيَأتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ
لِشَيْء مِنْ ذلِكَ أَلَماً، وَلاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً مَغرَماً {اي لا
يجدون فيه غرامة وخسرانا لما انفقوا من اجل الوصول اليه}،
وَلاَ شَيْءَ أَحَبُّ
إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ
مَحَلِّهِمْ).
ثم يضرب عليه السلام مثلا لتحمّل
صعوبات الدنيا من اجل سعادة الاخرة، بقوم كانوا في سفر وهو تمثيل لحال الدنيا
من الاخرة فوصلوا الى محل قليل العشب والمياه ويصعب فيه تحصيل القوت فقرروا
الانتقال منه الى محل اخر فيه الخصوبة في الزرع والماء والحياة المريحة فتحملوا
صعوبة السفر واذى الطريق ومفارقة الرفيق وخشونة المطعم وغير ذلك من الصعاب
للوصول الى مقصدهم الذي يريدون وهم لا يجدون في تحملهم لصعوبة السفر الما ولا
لما انفقوه فيه خسارة او مغرما.
(وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا
{اي الدنيا} كَمَثَلِ
قَوْم كَانُوا بِمَنْزِل خَصِيب، فَنَبا بِهِمْ إِلَى مَنْزِل جَدِيب، فَلَيْسَ
شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلاَ أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا
كَانُوا فيِهِ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ).
فمثل من اغتر بزينة الدنيا ولهوها
وانصرف اليها بقلبه وعمله وسعيه كمثل قوم كانوا في سرور ورفاهية ونعمة واسعة ثم
ساروا الى منزل جديد مظلم ليس فيه غير المخاوف والالم والحسرة عند انتقالهم من
ظهر الارض الى بطنها في قبور مظلمة ضيقة قد فارقوا احبابهم واموالهم وكل ما
نالوه في دنياهم، فهكذا هو حال الفريقين في الاخرة والذي هو حصاد لعمل الدنيا
[إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ
فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن
يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا]
وللخطبة تتمة
نهج البلاغة خطبة ٣١