نور من نهج البلاغة
خلاصة العمر 7
عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه
الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها:
💠 (وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ
وَصِيَّتِي تَقْوَى اللهِ، وَالاْقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْكَ،
وَالاْخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الاْوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ وَالصَّالِحُونَ
مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لاِنْفُسِهِمْ
كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ، ثُمَّ رَدَّهُمْ
آخِرُ ذلِكَ إِلَى الاْخْذِ بِمَا عَرَفُوا، وَالاْمْسَاكِ عَمَّا لَمْ
يُكَلَّفُوا، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ
كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذلِكَ بَتَفَهُّم وَتَعَلُّم، لاَ
بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ، وَعُلَقِ الْخُصُومَاتِ)
من بعد الوصية بتقوى الله والتي هي
الاساس في اجتناب كيد الشيطان ونزغه من خلال الذنوب والمعاصي، ينبّه ع الى
الاعتدال والتوازن في اقامة الفرائض الالهية من دون افراط او تفريط، اذ ان بعضا
من مداخل الشيطان هي صرف الانسان عن صراط الله المستقيم الى الاهتمام بالقضايا
الجانبية التي تبعد الانسان عن ربه، فمن المعلوم ان الله سبحانه لم يكلف نفسا
الا وسعها كما في قوله تعالى:
[لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا
مَا اكْتَسَبَتْ]، فهو العليم بحال العباد والرحيم بهم وقد اجرى احكامه
في الكون كله على ميزان دقيق كما في قوله تعالى:
[وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي
الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا
الْمِيزَانَ]، ولذا فان الافراط او التفريط يمثل انحرافا عن الاصول
الالهية الى التمسك بالقشور والقضايا الجزئية كما يفعل البعض في اطالة اللحى
والاهتمام بالمظاهر الدينية الكاذبة التي تكشف عن عدم فهم الدين الحق او
التعاليم الربانية، ولذا جعل الله انبيائه وحججه المعصومين هم القدوة والاسوة
للمؤمنين والبشر جميعا بما افاض الله عليهم من المعرفة بدينه واحكامه، فان اراد
احد المؤمنين التوسع في المعرفة فان عليه ان يجعل ذلك بتفهم وتعلم من دون
التورط في الشبهات والتعلق بالخصومات والتي لا تمثل الا هوى النفس والانتصار
للانا حيث يكون الله غائبا في سهو الغفلات وكيد الشياطين.
(وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ
فِي ذلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي
تَوْفِيقِكَ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَة أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَة، أَوْ
أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلاَلَة).
حيث ينبغي على المؤمن الاستعانة
بالله واخلاص النية له وطلب توفيقه وفضله قبل الخوض في الشبهات المواضيع
الشائكة والابحاث الصعبة والمراد بالشوائب هو كل امر يؤثر على فكر الانسان
ونفسه ويصده عن اتباع الحق والهدى.
(فَإذا أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ
صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأْيُكَ وَاجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي
ذلِكَ هَمّاً وَاحِداً {وهو الوصول الى مرضاة الله}،
فَانْظُرْ فِيَما فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ أنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا
تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ، وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ، فَاعلَمْ أَنَّكَ
إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ وَتَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ، وَلَيْسَ طَالِبُ
الدِّينِ مَنْ خَبَطَ وَلاَ مَنْ خَلَّطَ، وَالاْمْسَاكُ عَنْ ذلِكَ أَمْثَلُ).
فما لم ينتبه المؤمن الى حقيقة
قلبه في التوجه الى الله واخلاص النية له فليعلم انه يخبط خبط الناقة العشواء
التي لا تبصر جيدا وانه يخوض في الظلماء من دون بصيرة وهدى وان الامتناع عن ذلك
هو افضل واحسن عاقبة فان طالب الدين لا يخبط في الظلام ولا يخلط بين الامور.
💠
(فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَاعلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ
مَالِكُ الحَيَاةِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ
هُوَ الْمُعِيدُ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا
لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلاَّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اللهُ عَلَيْهِ مِنْ
النَّعْمَاءِ، وَالاْبْتِلاَءِ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ، أَوْ مَا شَاءَ
مِمَّا لاَ تعْلَمُ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ
عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ جَاهِلاً ثُمَّ
عَلِمتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجهَلُ مِنَ الاْمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ
رَأْيُكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ،
فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ، وَلْيَكُنْ لَهُ
تَعَبُّدُكَ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ).
فالكون كله خاضع لتدبير الله وسننه
وقوانينه ولا يوجد شيء في الدنيا والاخرة الا بقضاء الله وقدره
(وَاعلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ
أَحَداً لَمْ يُنْبِيءْ عَنِ اللهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ
نَبِيُّنَا (صلى الله عليه وآله)
فَارْضَ بِهِ رَائِداً،
وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِدَاً، فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً {اي لم
اقصر في نصيحتك}، وَإِنَّكَ
لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ ـ وَإِنِ اجْتَهَدْتَ ـ مَبْلَغَ
نَظَرِي لَكَ).
فمهما ظن الانسان بنفسه من العلم
والفكر والقدرة فلا ينبغي ان يغفل ان المعصومين من انبياء الله واوليائه بما
افاض الله عليهم من ابواب العلم والمعرفة وفتح قلوبهم وعقولهم لمعرفته وطاعته
هم القادة والقدوة للناس جميعا
[أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ] .
نهج البلاغة خطبة ٣١
التالي