التوحيد في نهج البلاغة
9
عن امير المؤمنين في تتمة حديثه عن
التوحيد قال:
* هُوَ
الظّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ (اي الظاهر على ما
خلقه في الارض من الخلق بما خلقهم عليه من الحالات والهيئات والسنن التي وضعهم
فيها والتي تبين عظمته وقدرته)،
* وَهُوَ
الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ (اي المدرك لحالاتها
وما تكون عليه من دوافع افعالها وتحركاتها وما تنتهي عليه في نهاياتها التي
تنتهي بها بإرادته وتقديره)،
*
وَالْعَالي عَلَى كَلِّ شَيْء مِنهَا بِجَلاَلِهِ وَعِزَّتِهِ (فلا
شيء مما خلقه الله من الانسان والحيوان والجماد يستطيع ان يخرج عما خلقه عليه
فلكل منهم حدوده وقوانينه التي وضعه الله بها ولا يجد منها خلاصا اذ هو في كل
وجوده وبقائه في عالم الدنيا مرهون بإرادة الله وحكمه)،
* لاَ
يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ (اي ان الله سبحانه لا يعجزه
شيء من خلقه حينما يحين اجله او وقت موته كما في قوله تعالى:
[أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ
مُّشَيَّدَةٍ ])،
* وَلاَ
يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ (ولا يتمكن المخلوق من مواجهة
ارادة الخالق فيستطيع ان يتغلب عليه كما يتغلب على المخلوقين امثاله فهو مخلوق
بإرادة الله وبقائه حي بإرادة الله لا يستطيع منها انفكاكا)
* وَلاَ
يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ (فالله قد احاط بكل شيء
علما وقدرة وتمكنا من كل خلقه مهما كانت قوتهم وشأنهم وتدبيرهم كما في قوله
تعالى [وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ])،
* وَلاَ
يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَال فَيَرْزُقَهُ (فالله هو الغني بذاته وهو
على كل شيء قدير كما في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا
النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ
الْحَمِيدُ، إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ]).
*
خَضَعَتِ الاْشْيَاءُ لَهُ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ
(فكل ما في الوجود هو خاضع له ولقدرته وتدبيره كما قال في كتابه:
[إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ
الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللهُ
رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ])
* لاَ
تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ
نَفْعِهِ وَضَرِّهِ (اذ جميع المخلوقات في البر والبحر هي محتاجة
اليه لا تستطيع لنفسها نفعا ولا ضرا من دون ارادته وتدبيره
[قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا
إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ
الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ])
* وَلاَ
كُفؤَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ
(فالخالق جلّ جلاله أبان عن نفسه بخلقه فليس له كفوا في القدرة اذ لو
كان معه الها مكافئا لنازعه في الملك بين مساو له في الارادة فيعلن عن
نفسه وبين معارض له في الملك كل يريد ان يفرض نفسه ولبان الاختلاف في الارادة
والتدبير بينما يتسم كل الكون انه يجري بإرادة واحدة من خالق حكيم قدير)
* هُوَ
الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا
كَمَفْقُودِهَا (فقد اقتضت ارادته ومشيئته التي بينها في كتابه ان
كل ما في الكون يتغير وينتهي بالفناء فلا يبقى غير الله سبحانه ما شاء كما كان
اولا وحده حتى يكون يوم القيامة يوم يبعث الناس من جديد ليحاسبوا على اعمالهم
في الدنيا ويجزون وفقها كما بين في كتابه الكريم في آيات عدة منها:
[وَاتَّقُوا
يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا
كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ]،
[يَوْمَ
تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن
سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا
وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ]،
[كُلُّ
نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ]،
[اللهُ
لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا
رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا]،
[إِن
كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا،
لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَرْدًا]
والآيات كثيرة التي تطرقت لهذا
الموضوع)
*
وَلَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إنْشَائِهَا
وَاخْتِرَاعِهَا، وَكَيفَ وَلَوْ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوانِهَا مِنْ طَيْرِهَا
وَبَهَائِمِهَا، ومَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا (اسم مفعول من أراح
الابلَ او رَدّها إلى المُراح)،
*
وَسَائِمِهَا (اي راعيها بمعنى ما كان في مأواه وما كان في مرعاه)،
*
وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا (الاسناخ: الاصول، والمراد منها الانواع،
أي الاصناف الداخلة في أنواعها)
*
وَأَجْنَاسِهَا، وَمُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا (أي الغبية من اممها)
وَأَكْيَاسِهَا (جمع كيّس وهو العاقل الحاذق، بمعنى
لو اجتمعت هذه الاصناف كلها)،
* عَلَى
إِحْدَاثِ بَعُوضَة، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا، وَلاَ عَرَفَتْ كَيْفَ
السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذلِكَ
وَتاهَتْ، وَعَجِزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً
(اي ذليلة كليلة)،
*
عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا،
مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إفْنَائِهَا؟!
* ثُمَّ
هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لاَ لِسَأَم دَخَلَ عَلَيْهِ فِي
تَصْرِيفِهَا وَتَدْبِيرِهَا، وَلاَ لِرَاحَة وَاصِلَة إِلَيْهِ، وَلاَ
لِثِقَلِ شَيْء مِنْهَا عَلَيْهِ، لاَ يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ
إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، لكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ،
وَأمسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ.
* ثُمَّ
يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَة مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلاَ
اسْتِعَانَة بَشَيْء مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلاَ لاِنصِرَاف مِنْ حَال وَحْشَة
إلَى حَالِ اسْتِئْنَاس، وَلاَ مِنْ حَالِ جَهْل وَعَمىً إِلَى حَالِ عِلْم
وَالْتمَاس، وَلاَ مِنْ فَقْر وَحَاجَة إِلَى غِنىً وَكَثْرَة، وَلاَ مِنْ
ذُلٍّ وَضَعَة إِلَى عِزٍّ وَقُدْرَة.
نهج البلاغة خطبة ١٨٦
وللحديث تتمة