نور من نهج البلاغة 97
التحذير من فتنة الدنيا
عن امير المؤمنين ع في التحذير من
فتنة الدنيا قال:
💠(أَلاَ وإنَّ الدُّنْيَا دَارٌ
لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِيهَا).
من المعلوم ان مشيئة الله في خلق
الدنيا هي ان تكون وسيلة لاختبار الانسان ليجزى في الاخرة بحسب عمله فيها كما
في قوله تعالى:[الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]، ولذا يوضح ع ان
السلامة في الاخرة لا تكون الا بعمل الانسان وهو في الدنيا، فبعد الموت تنتهي
فرص الانسان بالعمل للحياة الاخرة، وهو ما يستدعي من اهل الايمان عدم الغفلة عن
ذلك.
💠(وَلاَ يُنْجَى بِشَيْء كَانَ
لَهَا).
فكل ما ناله الانسان في الدنيا من
مال وثروة وامتيازات شخصية من جاه وسلطان ومكاسب مادية او معنوية استفاد منها
ماديا ومعنويا، فانه سيتركها عند الموت، فلا الثروة ولا السمعة ولا القدرة
المادية والمعنوية تنقل معه عند دفنه في لحده الضيق في بطن الارض، فلا يبقى له
الا ما عمله للأخرة، فهو الذي يكون وسيلته للنجاة في يوم القامة، وهو ما بينه
الله في كتابه الكريم من آيات كثيرة كقوله تعالى:[وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ
الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ،
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا
كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ]، وكقوله:[الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ
لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ
كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا
يَجْحَدُونَ].
💠(ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا
فِتْنَةً).
فالابتلاء في الدنيا هو أمر مفروغ
منه فالإنسان لم يخلق نفسه بإرادته، ولا هو الذي يحدد ساعة موته ووقته، وانما
ذلك تقدير العزيز الحكيم، والذي اوضح ان الفتنة لابد منها في الدنيا كما في
قوله:[أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا
يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ
اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ].
💠(فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا
أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ).
فكل ما اخذه الانسان من الدنيا
خلال سعيه وعمره فيها، سوف يحاسب عليه بعد الموت، فان كان سعيه هو للدنيا فقط
فإنه سيتركه في الدنيا ثم يحاسب عليه يوم القيامة بكل تفاصيله وتبعاته وآثاره،
كما في قوله تعالى:[وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ
تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ]، وفي تحذيره
بقوله:[يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا
عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا
وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ].
💠(وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا
لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ).
فما كان من سعي الانسان في الدنيا
بنية صادقة لأجل رضا الله والفوز بالأخرة فهو الذي سيكون سبب سعادته في الاخرة،
وبحسب عمله تكون درجته هناك كما اوضحه سبحانه في سورة القارعة بقوله:[وَكُنتُمْ
أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ
الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ،
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ
النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ].
💠(فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي
الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ).
اي الدنيا عند اهل الفكر والعقل
يرونها كالفيء من الظل الذي يتولد من الشمس او حركة الارض حول الشمس فهو قصير
مدته يزول بعد مدة ويتلاشى.
💠(بِيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً{اي
ممتداً ساتراً للأرض}
حَتَّى قَلَصَ{اي انقبض}،
وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ).
فهذه هي حالة الظل يتقلص ويتلاشى
بمعنى ان الدنيا لا تدوم للإنسان فحالتها متقلّبة ومتفاوتة ومتغيّرة وهو ما
يعني ان العاقل ينبغي ان يحسب حساب الاخرة ويضعها موضع اهتمامه الاساسي في
الحياة.
نهج البلاغة خطبة ٦٢
الموضوع التالي