نور من نهج البلاغة    104
 

معرفة الله
 

عن امير المؤمنين حينما سأله احد اصحابه ويدعى ذعلب اليماني فقال هل رأيت ربك يا امير المؤمنين؟
فقال ع أَفأَعْبُدُ مَا لا أَرَى ؟
قال: وكيف تراه؟
فقال امير المؤمنين ع:

💠(لاَ تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاْيمَانِ).

فالله جلّ جلاله لا يمكن رؤيته بالنظر اليه لأنه ليس مخلوقا ماديا ولكن يمكن للقلوب المؤمنة به ان تدرك وجوده وقربه وهيمنته على الامور فكل شيء في الوجود يدل عليه من السماء والارض وما فيهما وما بينهما من الجماد والسوائل والغازات فلا يكون شيء الا بتدبيره وأمره.

💠(قَرِيبٌ مِنَ الاْشْيَاءِ غَيْرُ مُلاَمِس، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرُ مُبَايِن).

فهو مع قربه من كل مخلوقاته وتدبيره لكل شيء الا انه مباين او مخالف لما اوجده من خلقه اذ ان معنى كلمة مباين في المعجم هي الهجر والابتعاد، اي انه مع قربه من خلقه الا انه ليس بداخل في الاشياء او جزء منها.

💠(مُتَكَلِّمٌ بِلاَ روِيَّة).

اي ان الله سبحانه حينما يتكلم فانه لا يحتاج الى تفكير وتأمل واستنتاج ثم تعديل لما بدأه، فجميع الاشياء حاضرة عنده قبل الكلام وقبل الخلق لان علمه وقدرته هما عين ذاته ما في قوله تعالى:[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ].

💠(مُرِيدٌ بِلاَ هِمَّة).

والهمة هي الاهتمام بالأمر ومتابعته بحيث لو لم يفعل ما ينبغي فعله لجرّ نقصاً وأوجب هماً وحاشى لله تعالى ان يغفل عن شيء فهو العليم بكل شيء خلقه[هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ].

💠(صَانِعٌ لاَ بِجَارِحَة).

والمراد بالجوارح هي الاعضاء الموجودة في الخلق كالعين والسمع واللسان واليد والرجل والتي تمكن الانسان من ادراك الامور وتدبير حياته، الا ان الله يختلف عن خلقه المادي فهو الخالق لما يشاء قبل النطق والعمل[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ]

💠(لَطِيفٌ لاَ يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ).

والمراد بالطف هو الفعل من دون الاحساس بوجوده والمراد بالجفاء هو الغلظة والخشونة في العمل، فالله سبحانه
يدبر الاشياء بإرادته وقضائه [اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ]

💠(بَصِيرٌ لاَ يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ).

اي ان الله سبحانه يبصر بالأشياء من دون وجود حاسة البصر فالله يختلف عن مخلوقاته التي لا تبصر الا بما زودها به من ادوات البصر وكذلك السمع وبقية الحواس[ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ]

💠(رَحِيمٌ لاَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ).

فرحمة الله ليس لها علاقة بالعاطفة والمشاعر الانسانية وانما هي تتبع سننه في خلقه فمن كان مطيعا لله فقد فاز برحمته وفضله [فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ].

💠(تَعْنُو{اي تذل} الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ)

فكلما ازداد علم الانسان بربه ازداد له خضوعا وتقرّبا واجلالا فهو الخالق الذي ليس كمثله شيء[وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ].

💠(وَتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ).

والوجوب هو الخفقان والاضطراب الذي يحدث في القلب عند الرهبة والخشية من العقوبة سيما وان عذاب الاخرة جد لا هزل فيه وقد انذر الله عباده بقوله:[وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ]، كما قال سبحانه:[فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ].


نهج البلاغة خطبة ١٧٩

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com