اهمية يوم الغدير 7
تقدم الحديث عن الاخطار التي كانت
تحيط بالإسلام عند وفاة النبي (ص) والتي تستدعي ان تكون هناك وصية منه في تعيين
الحاكم من بعده، وأول تلك الاخطار هي انتقال الامر الى يد زعماء العشائر التي
كان نفوذها مستوليا على افراد العشيرة كلهم، مما يعني ان قرارات العشيرة ستكون
تبعا لمصالح زعمائها الشخصية والتي تتقدم على مصلحة الاسلام وهو ما يمثل خطرا
على انحراف الدين واهدافه .
اما
الخطر الثاني : الذي كان يحيط بالرسالة الاسلامية فهو القوى
الخارجية المتربّصة شرّاً بالإسلام، وذلك بعد ان ظهرت قوته وشوكته.
فمن جهة الشرق كانت هناك
الإمبراطورية الساسانية بقيادة خسـرو برويز الذي مزّق رسالة النبي بكلّ وقاحة
وأساء إلى ممثّل رسول الله وحامل رسالته إليه، ومن جهة الغرب كانت هناك
إمبراطورية الروم وحلفاؤها في البلاد العربية، والذين واجهتهم الجيوش الإسلامية
في مؤته وتبوك وغيرها وعرفوا مدى قوتها.
فهذه القوى كانت ترى في الإسلام خطراً عليها ولذا أعلنت عدواتها له، وكانت
تستعدّ لـمواجهة عسكرية معه لكي تنهي قدرته.
اما
الخطر الثالث: فهم المنافقين والمؤلّفة قلوبهم والطلقاء بعد فتح
مكة، وهم أخطر الأعداء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام والمسلمين شرّاً، فهم قد
حاربوا رسول الله في حياته سرّاً وعلانيةً ونزلت فيهم آيات عدّة تكشف نفاقهم
وكيدهم، فهم قد أَسلموا بلسانهم مكرهين ولم تؤمن قلوبهم، ومعظمهم كانوا من
الذين خاضوا الحروب والمعارك السياسية والاقتصادية والإعلامية ضدّ رسول الله
وعلى رأسهم قيادات وزعماء الحزب الأموي الذي كان يقوده أبا سفيان وأولاده من
الذين أسلموا عن رهبة لا رغبة في الدين، حيث كانت أعينهم ترنوا إلى تولّي
السلطة من بعد وفاة النبي، لتكون لهم مُلكا عضوضاً من بعد أن يهيؤوا الأسباب
لذلك، ولعل مقولة أبا سفيان عند وصول الحكم لعثمان مشهورة ومعروفة بين المسلمين
حين قال لبني امية: (تلاقفوها يا بني أمية تلقّف الكرة، فوالّذي يحلف به أبو
سفيان ما من جنّة ولا نار ولا حساب ولا عقاب).
وما كان هذا الخطر ليخفىٰ على رسول
الله وهو النبي المصطفى الذي أعطاه الله من أخبار الغيب ما شاء، وعرفه
المنافقين وفتنهم وأخبارهم، فحذّر بدوره المسلمين من الفتن في المستقبل وتحدث
عن الشجرة الملعونة في القرآن، وحذّر من نزو القرود على منبره، وتحدّث عن الفتن
التي سيتعرّض لها المجتمع الإسلامي بعد وفاته، إضافة إلى أنّه كان القائد
الملهم والسياسي الخبير الذي عاش مع الأُمّة وخبّرهم فرداً فردا، وصنع نصـرها
وأمـجادها خطوة خطوة بكلّ ما فيها من صعاب وأذى ومعاناة نفسية وبدنية ورسالية،
فهل يمكن لرسول الله مع معرفته بكلّ هذه الحقائق أن يتجاهلها ولا يفكّر في
المستقبل ويترك الأُمّة في فراغ سياسي يفتح عليها أبواب الفرقة والاختلاف،
ويفسح المجال لأعداء الإسلام وطلّاب السلطة في أن يفعلوا ما يشاؤون من دون
قيامه بمواجهة هذه الاخطار؟
اضافة الى ان الإرادة الإلهية في
هذا المقام التي أرسلت الأنبياء والرسل وأتمتها بخاتم الرسل والشـريعة الكاملة،
تفرض عليه مواصلة عمله وجهاده.
ولذا لا يمكن لرسول الله أن يترك
مصير الأٌمّة إلى نفسها لتختار قائدها في تلك الظروف العصيبة والحرجة، وفي وسط
الاخطار الخارجية والداخلية بل إنّ وظيفة القائد الحكيم والرسول المبلغ هو ان
يوصل من يخلفه في مهمّته ويقود المسيرة من بعده إلى أهدافها النهائية، وهو ما
اجتمعت عليه النصوص النبوية في مجموعة كبيرة من الاحاديث الشـريفة التي بينت
بأساليب متعددة وبشكل مباشر وصريح من ان الخلافة من بعد النبي ستكون لعلي عليه
السلام، وقد ابتدأت منذ ان كان النبي في مكة عند اول الاعلان لدعوته مع عشيرته
الاقربين حيث بيّن ص ان من ينصره هو الذي سيكون خليفته من بعده فلم ينصره غير
علي فاشهدهم رسول الله بذلك، ثم توالت الوقائع الكثيرة في المدينة التي تعطي
الاولوية لعلي من مؤاخاته لرسول الله عند توزيع المهاجرين والانصار، الى غلق
ابواب المسجد النبوي جميعا الاّ باب علي، الى توضيح الآيات التي نزلت في حق
علي، ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ
وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)،الى الاحاديث الكثيرة الي بينت فضله
ومنزلته، الى ان توّجت ببيعة الغدير التي امر الله نبيه بالتبليغ عنها والا فان
سعيه الكبير خلال فترة نبوته والتي تجاوزت العشرين عاما تكون بلا ثمرة فقال
تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ
إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ
يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾،
فأعلن رسول الله ولاية علي من بعد حجة الوداع في غدير خم بالحديث المشهور الذي
مطلعه (من كنت مولاه فعلي مولاه..) والمتواتر في جميع مصادر الحديث حيث بايعه
بالولاية كل من حضر الواقعة وبضمنهم عمر بن الخطاب الذي قال له : بخ بخ لك
ياعلي اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وبهذا يمكن القول أنّ الولاية
ضرورة سياسية لازمة لكلّ قائد حكيم، بالإضافة إلى أنّها مسألة عقائدية دينية
تتعلّق بإرادة الله في الخلق والبعث والجزاء،
كما ان امير المؤمنين لم يسكت عن
توضيح هذه الحقيقة رغم اعتزاله السياسي وسكوته في فترة حكم الخلفاء من أجل
الحفاظ على بقاء الاسلام ودوامه، الا انه بعد ان عادت اليه خلافة المسلمين
وفيها ما فيها من التحريف للأصول الالهية والتي جعلته ينشغل بحرب الناكثين
والمارقين والقاسطين وتصحيح المفاهيم الاسلامية تدريجيا فانه قد ذكر هذه
الحقيقة في وقتها المناسب لها، حيث تنقل المصادر التاريخية ان عليا ناشد الناس
في رحبة الجامع بالكوفة فقال:(أيكم سمع رسول الله
يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه ؟) فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها، وأنس بن مالك
لم يقم، فقال له علي ع : يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد فلقد حضرتها؟ فقال: يا
أمير المؤمنين كبرت ونسيت.
فقال عليه السلام:(
اللهم إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة، قال طلحة بن عمير:
فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه. (الوضح:
البرص)(بحار الانوار جزء ٣٧ / ص ٢٠٠
فجميع هذه القضايا التي ذكرت في
الحلقات الماضية تظهر ان لواقعة الغدير اهمية كبرى وهي ان طبيعة النظام السياسي
في الاسلام إنما يقوم على التعين الرباني لخليفته في ارضه فهو الخالق والرازق
والمدبر وهو يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، وقد اقتضت ارادته ان يعبده
الخلق بما امر به في كتابه المنزل لهم وبما اختار لهم من الانبياء والاوصياء
المعصومين ليحكموا بين العباد بالحق والعدل في الدنيا وليكونوا الشهداء عليهم
في الاخرة، فهكذا جرت سنة الله في اختيار الانبياء والاوصياء المنتجبين
والمعصومين وفي انزال الكتب والشرائع من عنده.
ولئن كنا الان في فترة استثنائية
من تاريخ ارسال الانبياء وهي فترة غيبة الامام المهدي الذي سيكون على يديه
اقامة حكم الله في العالم فجميع احداث الدنيا والكون كله هي خاضعة لأمر الله
وتدبيره ولا يخرج شيء منها عن ارادته وهو اعلم بما خلق وما يريد وقد اوضح في
كتابه ان الارض لابد وان يرثها عباده الصالحون
[وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ
يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ
عَابِدِينَ].
والحمد لله رب العالمين