شرح دعاء الافتتاح    7
 

تقدم شرح مقام رسول ومنزلته العظمى في الدنيا والاخرة وهو ما تناوله القسم الثاني من دعاء الافتتاح وفيما يلي تتمته في بيان منزلة حجج الله:

💠(اللَّهُمَّ وصَلِّ عَلَى عَلِيٍّ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ، وَوَصِيِّ رَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ، عَبدِكَ وَوَلِيِّكَ، وَأَخِي رَسُولِكَ، وَحُجَّتِكَ عَلَى خَلقِكَ، وَآيَتِكَ الكُبرَى، وَالنَّبَإِ العَظِيمِ).

من الحقائق التي ذكرها الله في كتابه ان الطريق الى معرفته يتم عبر انبيائه ورسله المعصومين وما انزل معهم من الكتب التي توضح الطريق الى رضوانه، ومن دون ذلك قد يضيعون الطريق وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا كما في قوله تعالى:[الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا]،

كما قد اكد على ذلك بقوله:[قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا]، ولذا تفضّل على خلقه بإرسال الانبياء والرسل اليهم لإكمال الحجة عليهم فقال سبحانه:[رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا]. ولئلا يقول احد من الناس يوم القيامة:[لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ]،

ولما كان رسول الله(ص)هو اخر الرسل وخاتمهم فكان ينبغي ان تقوم الساعة او ان يجري الله الامور بمجرى اخر، وهو ما كان من ارادته في تعين الخلافة او الحجية لعلي بن ابي طالب من بعد رسول الله من بعده، في واقعة الغدير المشهورة بعد حجة الوداع والتي بايعه المسلمين هناك جميعا، ثم انزل سبحانه قرانه لبيان ذلك فقال:[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]، الا ان الامور السياسية قد سارت في مسار اخر من الخلافة من ابعاد حجة الله عن الحكم حتى بايع الناس افواجا امير المؤمنين بالخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان، فقبلها مكرها بعد قيام الحجة الشرعية عليه كما في قوله:

💠(أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ{اي الروح في البشر}، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا{اي لا يوافقوا مقرين للظالم بظلمه}عَلَى كِظَّةِ ظَالِم{اي امتلاء بطنه من الطعام والمراد هو استئثار الظالم بالحقوق}، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم{اي عدم مراعاة شدة جوع المظلوم والمراد به هضم حقوقه}، لاَلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا{وهو تمثيل على ترك الامر على ما هو عليه}، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلاَلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز{وهو ما تنثره العنزة مما لا قيمة له}،

ثم كان بعد ذلك من الفتن ما كان والذي دفع امير المؤمنين من توضيح حال الناس وحاله في احدى خطبه فقال:

💠(أَلاَ وَإنَّكُمْ قَد نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ، بَأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هذِهِ الاْمَّةِ فِيَما عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هذِهِ الاْلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا، وَيَأْوُونَ إَلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَة لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْـمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً، لاِنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَن، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَر.

💠(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَبَعْدَ الْمُوَالاَةِ أحْزَاباً، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الاْسْلاَمِ إِلاَّ بِاسْمِهِ، وَلاَ تَعْرِفُونَ مِنَ الاْيمَانِ إِلاَّ رَسْمَهُ، تَقُولُونَ: النَّارَ وَلاَ الْعَارَ! كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الاْسْلاَمَ عَلَى وَجْهِهِ، انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَنَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ، وأَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ.

وإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ، ثُمَّ لاَ جَبْرَائِيلُ وَلاَ مِيكَائِيلُ وَلاَ مُهَاجِرُونَ وَلاَ أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ إِلاَّ الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ.

💠(وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الاْمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللهِ تَعَالَى وَقَوَارِعِهِ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ، فَلاَ تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بَأَخْذِهِ، وَتَهَاوُناً بِبَطْشِهِ، وَيأْساً مِنْ بَأْسِهِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلاَّ لِتَرْكِهِمُ الاْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ، فَلَعَنَ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَالْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ الْتَّنَاهِيْ، أَلاَ وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الاْسْلاَمِ، وَعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ، وَأَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ.

💠(أَلاَ وَقَدْ أَمَرَنِيَ اللهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْي وَالْنَّكْثِ{اي نقض العهد}، وَالْفَسَادِ فِي الاْرْضِ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ{اي الجائرون عن الحق} فَقَدْ جَاهَدْتُ، وَأَمَّا الْمَارِقَةُ{اي الذين مرقوا من الدين او انحرفوا عن اهدافه} فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ{وهو من رؤساء الخوارج المعروف ذو الثدية} فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَة{وهي الغَشِيّة تصيب الانسانَ من الهول}، سَمِعْتُ لَهَا وَجْبَةَ قَلْبِهِ{اي شدة خفقانه}، وَرَجَّةَ صَدْرِهِ{اي اهتزازه وارتعاده}، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلَئِنْ أَذِنَ اللهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لاَدِيلَنَّ مِنْهُمْ{بمعنى المحق} إِلاَّ مَا يَتَشَذَّرُ{اي يتفرق} فِي أَطْرَافِ الاْرْضِ تَشَذُّراً!

ثم تعرض الى بيان منزلته من رسول الله فقال:

💠(وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ: وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وليدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ{اي تدخل رائحة النبي الذكية الى انفه}، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْل، وَلاَ خَطْلَةً{وهي الاخطاء التي تنشأ من غير عمد} فِي فِعْل.

💠(وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ(صلى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ [أَنْ] كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ{وهوابن الناقة الصغير} أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لي فِي كُلِّ يَوْم عَلَماً مِنْ أخْلاقِهِ، وَيَأْمُرُني بِالاقْتِدَاءِ بِهِ.

 

نهج البلاغة خطبة رقم ١٩٣

وللشرح تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com