نور من نهج البلاغة
خلاصة العمر 12
عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه
الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها متمما الحديث عن الدعاء:
(وَلَمْ
يَمْنَعكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بَالنِّقْمَةِ،
وَلَمْ يُعَيِّرْكَ بِالاْنَابَةِ {اي بالرجوع والعودة الى الله}،
وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى، وَلَمْ يُشدِّدْ عَلَيْكَ
فِي قَبُولِ الاْنَابَةِ، وَلَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَلَمْ
يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ {اي رجوعك}
عَنِ الذَّنْبِ حَسَنةً، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ
وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً)
معظم المحاكم الدنيوية ،التي تتوخى
العدالة، تحكم عادة بمعاقبة المسيء حين ثبوت الجرم عليه، وذلك لكي يلقى جزاء
عمله السيء وليكون له مانعا من اذى الاخرين مستقبلا، فكيف اذا كانت المخالفة
لرب السماوات والارض والذي اقام الحجة على العباد ولم يأمرهم الا بما فيه الخير
لهم، ولم ينههم الا بما فيه الضرر عليهم، سواء اكانت الاضرار مباشرة او بصورة
غير مباشرة من انعكاسها على المجتمع كما في قوله تعالى:
[وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ،
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {بمعنى ان العقوبة
متناسبة مع قدرة المعاقب}] فمن يعصي الله
يستحق العقوبة الفورية بعد اقامة الحجة عليه، الا ان الله جلّ جلاله والرحيم
بعباده، لم يعاجل المذنبين بالعقوبة بل فتح لهم باب المغفرة والعفو والتوبة،
فجعل حساب السيئة بسيئة واحدة وحساب الحسنة بعشر امثالها كما في قوله تعالى:
[مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ]، كما جعل فعل الحسنات بعد الذنب ماحيا للسيئات كما قي
قوله تعالى: [وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ]، كما اوضح اثار السيئات والحسنات على حياة الانسان
بقوله: [مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ
مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا
السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]، فمن رحمة الله
وفضله انه لم يغلق على العباد باب التوبة والانابة وهو القائل:
[مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ
شَاكِرًا عَلِيمًا]، حيث تعددت الآيات والروايات والادعية في بيان
رحمة الله وخاصة ما ورد عن الامام زين العابدين في صحيفته المباركة التي تظهر
رحمة الله كما ورد في الدعاء ٤٦ بقوله: (يا من يشكر
على القليل، ويجازي بالجليل، يا من يدنوا الى من دنا
منه، يامن يدعوا الى نفسه من ادبر عنه، يامن لا يغير النعمة، ولا يبادر
بالنقمة، يامن يثمر الحسنة حتى ينميها، ويتجاوز عن السيئة حتى يعفّيها {اي
يمحوها ويطمس اثرها})، وكما ورد عنه دعائه في وداع
شهر رمضان قوله: (أللَّهُمَّ يَا مَنْ لا يَرْغَبُ
فِي الْجَزَاءِ، وَلاَ يَنْدَمُ عَلَى الْعَطَآءِ، وَيَا مَنْ لاَ يُكَافِئُ
عَبْدَهُ عَلَى السَّوآءِ، مِنَّتُكَ ابْتِدَاءٌ، وَعَفْوُكَ تَفَضُّلٌ،
وَعُقُوبَتُكَ عَـدْلٌ، وَقَضَاؤُكَ خِيَرَةٌ، إنْ أَعْطَيْتَ لَمْ تَشُبْ
عَطَآءَكَ بِمَنٍّ، وَإنْ مَنَعْتَ لَمْ يَكُنْ مَنْعُكَ تَعَدِّيا، تَشْكُرُ
مَنْ شَكَرَكَ وَأَنْتَ أَلْهَمْتَهُ شُكْرَكَ، وَتُكَافِئُ مَنْ حَمِدَكَ
وَأَنْتَ عَلَّمْتَهُ حَمْدَكَ، تَسْتُرُ عَلَى مَنْ لَوْ شِئْتَ فَضَحْتَـهُ
وَتَجُودُ عَلَى مَنْ لَوْ شِئْتَ مَنَعْتَهُ، وَكِلاَهُمَا أَهْلٌ مِنْكَ
لِلْفَضِيحَةِ وَالْمَنْعِ، غَيْرَ أَنَّكَ بَنَيْتَ أَفْعَالَكَ عَلَى
التَّفَضُّلِ، وَأَجْرَيْتَ قُدْرَتَكَ عَلَى التَّجَاوُزِ ، وَتَلَقَّيْتَ
مَنْ عَصَاكَ بِالحِلْمِ، وَأمْهَلْتَ مَنْ قَصَدَ لِنَفْسِهِ بِالظُّلْمِ،
تَسْتَنْظِرُهُمْ بِأناتِكَ إلى الانَابَةِ، وَتَتْرُكُ مُعَاجَلَتَهُمْ إلَى
التَّوْبَةِ لِكَيْلاَ يَهْلِكَ عَلَيْكَ هَالِكُهُمْ، وَلا يَشْقَى
بِنِعْمَتِكَ شَقِيُّهُمْ إلاَّ عَنْ طُولِ الاِعْذَارِ إلَيْهِ، وَبَعْدَ
تَرَادُفِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَرَماً مِنْ عَفْوِكَ يَا كَرِيْمُ،
وَعَائِدَةً مِنْ عَطْفِكَ يَا حَلِيمُ).
(وَفَتحَ
لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاك، وَإِذَا
نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ،
وَأَبْثَثْتَهُ ذاتَ نَفْسِكَ {اي كاشفته حالة نفسك}،
وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَك، وَاسْتَكْشَفْتَهُ
كُرُوبَكَ {اي طلبت منه كشف كروبك}،
وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا
لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الاْعْمَارِ،
وَصِحَّةِ الاْبْدَانِ، وَسَعَةِ الاْرْزَاقِ).
فمن رحمة الله انه فتح باب التوبة
للعباد، والتي من شأن التوبة الصادقة بشرطها وشروطها ان تكون ماحية لكل ذنوب
الانسان فالتوبة تجب ما قبلها ومن اجمل ما ورد فيها دعاء الامام زين العابدين
في صحيفته المباركة في وداع شهر رمضان حيث قال في مناجاته:
(أَنْتَ
الَّذِيْ فَتَحْتَ لِعِبَادِكَ بَاباً إلَى عَفْوِكَ وَسَمَّيْتَهُ
التَّوْبَـةَ، وَجَعَلْتَ عَلَى ذلِكَ البَابِ دَلِيلاً مِنْ وَحْيِكَ
{اي اياتك في القران} لِئَلاَّ يَضِلُّوا
عَنْهُ فَقُلْتَ تَبَارَكَ اسْمُكَ: ﴿تُوبُوا إلَى الله تَوْبَةً نَصُوحـاً
عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّـرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ
جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ
النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَبِأَيْمَانِهِمْ، يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنا نُورَنَا وَاغْفِرْ
لَنَا إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ﴾، فَمَا عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ
ذلِكَ الْمَنْزِلِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ وَإقَامَةِ الدَّلِيْلِ؟، وَأَنْتَ
الَّذِي زِدْتَ فِي السَّوْمِ عَلَى نَفْسِكَ لِعِبَادِكَ تُرِيدُ رِبْحَهُمْ
فِي مُتَاجَرَتِهِمْ لَكَ، وَفَوْزَهُمْ بِالْوِفَادَةِ عَلَيْكَ وَالزِّيادَةِ
مِنْكَ فَقُلْتَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَيْتَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزى إلاّ
مِثْلَهَا﴾، وَقُلْتَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة
مَائَةُ حَبَّة وَالله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَقُلْتَ:﴿مَنْ ذَا الَّذِيْ
يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَنَاً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أضْعَافاً كَثِيرَةً﴾،
وَمَا أَنْزَلْتَ مِنْ نَظَائِرِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَضَاعِيفِ
الْحَسَنَاتِ، وَأَنْتَ الَّذِي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ
وَتَرْغِيْبِكَ الَّذِي فِيهِ حَظُّهُمْ عَلَى مَا لَوْ سَتَرْتَهُ عَنْهُمْ
لَمْ تُدْرِكْهُ أَبْصَارُهُمْ وَلَمْ تَعِـهِ أَسْمَاعُهُمْ وَلَمْ
تَلْحَقْـهُ أَوْهَامُهُمْ فَقُلْتَ: ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا
لِيْ وَلا تَكْفُرُونِ﴾، وَقُلْتَ: ﴿لَئِنْ شَكَـرْتُمْ لازِيدَنَّكمْ وَلَئِنْ
كَفَـرْتُمْ إنَّ عَذابِيْ لَشَدِيدٌ﴾، وَقُلْتَ: ﴿ادْعُونِيْ أَسْتَجِبْ
لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فَسَمَّيْتَ دُعَاءَكَ عِبَادَةً، وَتَرْكَهُ
اسْتِكْبَاراً، وَتَوَعَّدْتَ عَلَى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ،
فَذَكَرُوكَ بِمَنِّكَ، وَشَكَرُوكَ بِفَضْلِكَ، وَدَعَوْكَ بِأَمْرِكَ،
وَتَصَدَّقُوا لَكَ طَلَباً لِمَزِيدِكَ، وَفِيهَا كَانَتْ نَجَاتُهُمْ مِنْ
غَضَبِكَ، وَفَوْزُهُمْ بِرِضَاكَ، وَلَوْ دَلَّ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقاً مِنْ
نَفْسِهِ عَلَى مِثْلِ الَّذِيْ دَلَلْتَ عَلَيْهِ عِبَادَكَ مِنْكَ كَانَ
مَوْصُوْفَاً بالاحْسَان وَمَنْعُوتاً بِالامْتِثَال، ومحمُوداً بكلِّ لِسَان)
💠
(ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ
فِيهِ مِنْ مَسْأَلتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ
نِعَمِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شآبِيبَ رَحْمَتِهِ، {والشأبيب جمع
الشؤبوب، وهو الدفعة من المطر، وهو تشبيه لرحمة الله بالمطر حينما ينزل على
الارض الموات فيحييها}، فَلاَ يُقَنِّطَنَّكَ
{اي لا يؤيسك} إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ
الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ
الاْجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعظمَ لاِجْرِ السَّائِلِ، وَأَجزَلَ لِعَطَاءِ
الاْمِلِ، وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلاَ تُؤْتاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً
مِنْهُ عَاجلاً أَوْ آجِلاً، أوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ،
فَلَرُبَّ أَمْر قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاَكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ،
فَلْتَكُنْ مَسَأَلَتُكَ فِيَما يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَيُنْفَى عَنْكَ
وَبَالُهُ، فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَلاَ تَبْقَى لَهُ).
وللوصية تتمة
نهج البلاغة خطبة رقم ٣١