نور من نهج البلاغة 84
التعامل مع الدنيا
عن امير المؤمنين ع في التحذير من
الانغماس في الدنيا قال:
💠 (أَلاَ وَإِنَّ هذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا
وَتَرْغَبُونَ فِيهَا، وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَتُرْضِيكُمْ، لَيْسَتْ
بِدَارِكُمْ، وَلاَ مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَلاَ الَّذِي
دُعِيتُمْ إِلَيْهِ)،
فلقد تواترت الآيات والاحاديث
الشريفة التي تذكر بالوجود المؤقت في الدنيا كما في قوله تعالى:
[وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ
خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ]، فلا ينبغي ان يكون
الحزن والسخط والفرح والرضا على امور الدنيا فهي ليست دار الخلود كما اوضح الله
تعالى في كتابه بقوله:
[لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ
وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ]
💠 (أَلاَ وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَة لَكُمْ وَلاَ تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا،
وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا، فَدَعُوا غُرُورَهَا
لِتَحْذِيرِهَا، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى
الدَّارِ الَّتي دعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا)
فحياة الانسان في الدنيا مرحلة
صغيرة من عمره الخالد في الاخرة والذي ينبغي ان يكون هو موضع اهتمامه وحرصه فقد
حذر الله من العاقبة السيئة للحياة الدنيا كما في قوله:
[اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ
غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا
ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ
اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ]،
فالمتأمل في الحياة ينتبه لعبرها وقصصها والاولى به ان يدع الطمع فيها والحرص
عليها.
💠 (وَلاَ يَخِنَّنَّ
أَحَدُكُمْ {والخَنَّة هي خروج الصوت من الانف}
خَنِينَّ الاْمَةِ عَلَى مَا زُوِىَ {اي قبض}
عَنْهُ مِنْهَا، {والمراد من خنَّة الأمة هو نوع من التشكي او اللّوعة
والبكاء الصادر منها لما قبض من الدنيا عنها}،
وَاسْتَتِمُّوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ،
وَالْـمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ).
فحالة التشّكي والتظلّم الذي يبديه
البعض انما هو بسبب عدم ادراكهم وفهمهم لمغزى الحياة التي جعلها الله سبحانه
امتحانا للناس واختبارا قبل الانتقال للأخرة كما في قوله تعالى:
[الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]، فتمام النعمة والشكر
لله هو بالصبر على الطاعة والعمل بما اوجبه في كتابه وعبر انبيائه وحججه.
💠 (أَلاَ وَإِنَّهُ لاَ
يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْء مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ
دِينِكُمْ {اي الامور التي بها يُقام الدين}،
أَلاَ وَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ
حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ)
فالمهم في الحياة الدنيا هو اقامة
الدين والذي فيه خير الدارين فمن اضاع دينه لا ينفعه ما ناله في الدنيا من
العناوين المعنوية او المادية حيث سيقبل على الله فقيرا من كل شيء ليس له الكفن
💠 (أَخَذَ اللهُ بِقُلُوبِنَا
وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ)،
وهو ما يعني الالتفات الى قوله
تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُم
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ]
نهج البلاغة خطبة ١٧٣
الموضوع التالي