نور من نهج البلاغة
32
عن امير المؤمنين علي ع قال عما
اوصى الله به عباده:
وَأَوْصَاكُمْ
بِالتَّقْوَى، وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ، وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي
أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ (اي الذي لا يخفى عليه شيء من اموركم)،
وَنَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ
(اي بيده قياد اموركم كما يقاد الانسان من مقدمة راسه)،
وَتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ
(اي في اي حال كنتم فيه فإنكم لا تخرجون عن قبضته)،
إِن
أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وَإِن أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ، قَدْ وَكَّلَ بِذلِكَ
حَفَظَةً كِرَاماً، لاَ يُسْقِطُونَ حَقّاً، وَلاَ يُثْبِتُونَ بَاطِلاً.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ "مَنْ
يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً" مِنَ الْفِتَنِ (اي ينجيه من سوء
الفتن)،
وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ
(اي يهديه في موارد الفتنة وانعدام الرؤية)،
وَيُخَلِّدْهُ فِيَما اشْتَهَتْ
نَفْسُهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ (وهو ما يستدعي
الانتباه الى كرامة الله لعباده الفائزين)
فِي دَار اصْطَنَعَهَا
لِنَفْسِهِ (اي هيئها الله بقدرته وحكمته وعظمته لتكون جزاء منه لعباده
الصالحين)،
ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَنُورُهَا
بَهْجَتَهُ (اي نور الجنة مستمد من رضاه)،
وَزُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ،
وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ (اي يحظى الفائز بالجنة بمرافقة انبياء الله ورسله
المكرمين).
فَبَادِرُوا الْمَعَادَ،
وَسَابِقُوا الاْجَالَ (اي سابقوا الى تقديم العمل الصالح قبل حلول الاجل
وذهاب الفرصة في الحياة)
فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ
أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الاْمَلُ، وَيَرْهَقَهُمُ الاْجَلُ (اي يغشاهم
الموت)،
وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ
التَّوْبَةِ، فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، (اي ما يسأله الانسان المذنب بعد موته من العودة
إلى الدنيا ليعمل صالحاً كما في قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ
أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا
فِيمَا تَرَكْتُ، كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا، وَمِن وَرَائِهِم
بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ)،
وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيل
(اي كأصحاب السبيل المسافرون الذي تنقطع بهم الوسائل للذهاب الى مقصدهم)
عَلَى سَفَر مِنْ دَار لَيْسَتْ
بِدَراِكُم (والمراد بها دار الدنيا)،
وَقَد أُوذِنْتُمْ مِنهَا
بِالارتِحَالِ (اي اُعلمتم بالانتقال منها الى الدار الاخرة)،
وَأُمِرتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ
وهو التقوى او الاجتناب للذنوب (وليس الانشغال بالأهداف الدنيوية) كما في
قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ
وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ
لِهذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ،
فَإِنّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا، أفَرَأَيْتُمْ
جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ؟ وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ؟
وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ (وهي الأرضُ أو الحجارة التي حَمِيَت من شدَّةِ
وَقْع الشمس)،
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ
بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَار ضَجِيعَ حَجَر وَقَرِينَ شَيْطَان؟ (اي ان
النار تطبق عليه كإطباق الفم على ما في داخله او كإطباق الادوات في القبض على
ما فيها بإحكام)،
أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً
(وهو الملك الموكل بالجحيم) إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا
بَعْضَاً لِغَضَبِهِ؟ وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبوَابِهَا
جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ؟!
أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ
(اي الشيخ المسن الذي تقدم به العمر)، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتَيرُ
(اي خالطه الشيب)،
كَيْفَ أَنْتَ إِذَا
الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الاْعْنَاقِ (اي احاط النار
برقبتك بإحكام فأصبحت قيدا حولها؟)،
وَنَشِبَتِ الجَوَامِعُ (
وهو الغل او السلاسل وسميت جامعة لأنها تجمع اليدين الى العنق) حَتَّى
أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ؟
فَاللهَ اللهَ مَعْشَرَ
الْعِبَادِ! وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ، وَفِي
الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ (اي في الحياة قبل الموت وضيق القبر)،
فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ
رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا (اي قبل استحقاق صاحب
الرهن ان يأخذ رهينته او الامانة المستودعة لديه عند انتهاء مدة الرهن والمراد
هو اخذ روح الانسان الى عالم الاخرة بعد انتهاء مدة الرهن في الدنيا، فإنما
اعطيت الروح للإنسان ليسعى في تقديم العمل الصالح الذي يضمن به اخرته)،
أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ،
وَأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ، وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ (اي استعملوا
جوارحكم في السير الى مواطن الهدى والصلاح)،
وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ
(فلا يستولي حب المال عليكم)،
وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ
تَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسَكُمْ (اي استعملوا اجسادكم في طاعة الله من
اجل منع النفس من التعرض للنار في الاخرة)،
وَلاَ تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا
(اي لا تبخلوا برعاية الاجساد عن استنقاذ الارواح)، فَقَدْ قَالَ اللهُ
سُبْحَانَهُ: "إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"
، وَقَالَ تَعَالَى: "مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً
فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ " ،
فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ
ذُلٍّ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ، اسْتَنْصَرَكُمْ وَلَهُ جُنُودُ
السَّماوَاتِ وَالاْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحُكِيمُ، وَاسْتَقْرَضَكُمْ
وَلَهُ خَزَائِنُ السَّماوَاتِ وَالاْرْضِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ،
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ "يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً"، (اي
ان الله سبحانه اراد بهذا الطلب من الانسان هو اختباره في الدنيا للكشف عن
استحقاق دخوله الجنة او النار).
فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ فِي دَارِهِ،
رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ (اي تكونوا مع الصالحين والمؤمنين والذين يرافقون
الانبياء والرسل)،
وَأَزَارَهُمْ مَلاَئِكَتَهُ
(اي جعل الملائكة من زوارهم)،
وَأَكرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ
تَسْمَعَ حَسِيسَ (وهو الصوت الخفي الذي لا يكاد ان يسمع) نَار أَبَداً،
وَصَانَ أَجْسَادَهَمْ أَنْ
تَلْقَى لُغُوباً وَنَصَباً (اي لا يصيب اجسام المؤمنين والمؤمنات الاعياء
ولا التعب في الاخرة)، (ذلِكَ فُضْلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
التالي