تأملات في القضية الحسينية     12
 

(معرفة مقام الامامة)
 

من يحضر المجالس الحسينية بصورة منتظمة فانه يسمع عددا من الخطباء او الشعراء يتحدثون فيها عن الامام الحسين ع بصورة عاطفية وكأنهم يتحدث عن قضية مأساوية حدثت لمظلوم في العراق او في بلد من البلدان التي تعيش الظلم والاستبداد، ومن حق المستمع عندئذ ان يقول ان بعض السجناء والمعذبين بيد الطواغيت كان تعذيبهم البدني او النفسي اشد مما حدث للأمام الحسين، فان بعض السجناء قد هتكت اعراض نسائهم واخواتهم او بناتهم امام اعينهم، وذبح اطفالهم بصورة وحشية امامهم، لانتزاع الاعتراف منهم فلماذا هذا الاهتمام بالأمام الحسين!!

كما ان بعض الخطباء والشعراء يتحدث عن الامام الحسين ع بحديث العاشق والمعشوق فيصف جمال عينه او حاجبيه ووجهه، او جمال العباس واوصافه الرجالية بما يخرج عن الذوق والادب وعن ذكر الحادثة الاليمة في كربلاء... بل ان بعض الخطباء يبدأ المجلس الحسيني وينهيه بالبكاء والاشجان والدموع ولا يفهم المستمع منه شيئا عن اهداف ومقاصد الحسين ع واسباب شهادته فلا يضيف الى فكره ووعيه ودينه شيئا جديدا، هذا اذا لم يكن في حديث المتحدث شطط من الخرافات والاوهام!

فهل هذه المجالس وامثالها، هي المجالس التي قال عنها الامام الصادق:[رحم الله من احيى امرنا]؟ لا شك ان المجالس التي اشير اليها هي بعيدة عن احياء قضية الامام الحسين او اي امام اخر، والسبب في ذلك هو الجهل بمنزلة الامامة والدور الذي اعطاه الله لحججه ليقوموا به في الدنيا،

ولكي تتضح المسألة بما لا يقبل الشك نورد بعض احاديث رسول الله والائمة في توضيح ذلك.

عن رسول الله (ص) قال: [انما مثل اهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق]. اي ان الاهتداء بمنهج اهل البيت والاقتداء بسيرتهم واعمالهم يكون سببا لنجاة المؤمنين في الاخرة من النار كما كانت سفينة نوح نجاة للإنسان في الدنيا من الغرق، فالحب لآل النبي والقرابة النَسبيّة او الوراثية من ال البيت لا تغني عن اصحابها شيئا مالم يسيروا بسيرتهم وهداهم، كما لم تغن قرابة ابن نوح عنه لعدم طاعته لنبي الله ابيه نوح فكان من المغرقين، والتي اوضحها الله في كتابه بقوله:[وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ، يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ، وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِين].

وعن امير المؤمنين ع في حديثه عن منزلة آل بيت النبي قال:

 [هم موضع سره].

اي سر الله، وهو ما أخبر الله به رسوله عن احداث المستقبل الى قيام الساعة، وقد تحدث به النبي بصورة مجملة للناس من على منبره، ثم علمه النبي الى وصيه علي ع مفصّلا، ومنه الى اولاده المعصومين.


[ولجأ أمره].

اي ان اهل البيت المعصومين هم الوسيلة الى الله لطلب عفوه وعونه وتسديده بما خصهم من مكانة ومنزلة في حياتهم وبعد مماتهم فهم حجج الله والأدلاء على سبيله.

[وعيبة علمه].

والعيبة هو الوعاء او المستودع اي ان ال البيت ع يمثلون المستودع لعلم الله الذي علّمه لنبيه المصطفى وما افاض الله عليهم من فضله وتسديده وتأييده.

[وموئل حكمه].

اي المرجع في الوصول الى حكم الله بما وهبهم الله من العلم والفضل والامامة ولوازمها من العصمة والتسديد.

[وكهوف كتبه].

اي عندهم العلم الذي انزله الله في كتبه على الانبياء السابقين وهو ما علمه رسول الله لوصيه من بعده، كما في قوله ع: علمني رسول الله الف باب، من كل باب يفتح الف باب، والحديث مذكور في عدد من المصادر السنية منها التفسير الكبير ج٨ ص٢١

[وجبال دينه].

اي ان الائمة ع في منزلتهم عند الله هم كالجبال العالية في العلم والعمل والقيام بأمر الله فلا يصل الناس الى مستواهم في العلم والعمل.

[بهم اقام انحناء ظهره].

اي ظهر الدين، والمراد ان الله سبحانه اذهب الاعوجاج الذي احدثه المنافقون في الدين بواسطة جهاد وعمل اهل البيت في سبيل الله، ومن هنا يفهم المنزلة الكبيرة لشهادة الامام الحسين وشهادة الائمة ع ودورهم في احياء الدين ودفع الانحرافات عنه.

[واذهب ارتعاد فرائصه].

فرائص الدين اي ضعفه وهو تشبيه لزوال الخوف عن بقاء الدين ثابتا لا يتغير رغم كيد الكائدين في اطفاء نوره وذلك بما يفعله حجج الله من بقاء الدين وعدم اندراسه.

ومن هنا يعلم الاثر الذي احدثه الامام الحسين ع في ايقاظ الامة على ما طرأ من تبديل لدين الله وتحريفه عما جاء به كتاب الله ورسوله المصطفى بتلك الشهادة المفجعة التي حركت ضمير الامة في الزمن الماضي والحاضر والذي لا يقارن به اي شهيد اخر مهما تعرض للاضطهاد، فثمرة عمل الشهيد هو نجاته من النار وفوزه بالجنة اما ثمرة عمل الحسين فهو نجاة للائمة التي تتبع نهجه وهو مصداق الحديث النبوي (حسين مني وانا من حسين)


وللبحث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com