ذخائر الرحمة   8

 

عن الامام الحسين ع قال:
(أيها الناس ان الله (عزّ وجلّ ذكره) ما خلق العباد الا ليعرفوه، فاذا عرفوه عبدوه، فاذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه).


معرفة الله جل جلاله تعد من اكبر نعمه على العباد التي توضح لهم حقيقة الدنيا والاخرة وما ينبغي عليهم العمل بها لبلوغ ما يريده الله منهم، وقد لخص الامام زين العابدين ع الواجبات والحقوق التي تقع بعهدة العبد فيما يعرف بكتاب (رسالة الحقوق)، وهو عرض مختصر في كلماته وصفحاته ولكنه عظيم في معانيه حبذا لو توجه اهل الايمان اليه ونلفت النظر اليه من خلال عرض مقدمة الكتاب فقط لتتوجه القلوب الى اهميته.


عن الامام زين العابدين علي بن الحسين قال في مقدمة كتابه المعروف برسالة الحقوق ما يلي:
[إعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ ، أنَّ للهِ عَلَيْكَ حُقوقًا مُحيطَةً بكَ في كُلِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكْتَها، أوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَها، أوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَها، أوْ جارِحَةٍ قَلَّبْتَها وَآلَةٍ تَصَرَّ فْتَ بها، بَعْضُها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ.
وَأكْبَرُ حُقوقِ اللهِ عَلَيْكَ ما أوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ تَبارَكَ وَتَعالى مِنْ حَقِّهِ الَّذي هُوَ أصْلُ الْحُقوقِ وَمِنْهُ تَفَرَّعَ
(اي من حق الله تتفرع بقية الحقوق التي اوجبها عليك) ثُمَّ أوْجَبَهُ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ مِن قرِنكٓ (اي اعلى راسك) إلى قَدَمِكَ عَلى اختِلافِ جَوارِحِكَ. (اي ان حقوق الله شاملة على الانسان بكل جزء من اجزاء جسمه).
فَجَعَلَ لِبَصَرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِسَمْعِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِلِسانِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِيَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِرِجْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِبَطْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِفَرْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَهَذِهِ الْجَوارِحُ السَبْعُ الَّتي بها تَكونُ الأفْعالُ.
ثُمَّ جَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ لافعالِكَ عَلَيْكَ حُقوقًا ، فَجَعَلَ لِصَلاتِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِصَوْمِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِصَدَقَتِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِهَدْيِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأفعالِكَ عَلَيْكَ حَقًّا.
ثُمَّ تخرُجُ الْحُقوقُ مِنْكَ إلى غَيْرِكَ مِنْ ذَوي الْحُقوقِ الْواجِبَةِ عَلَيْكَ، وَأوْجَبُها عَلَيْكَ حُقوقُ أئِمَّتِكَ، ثُمَّ حُقوقُ رَعِيَّتِكَ ، ثُمَّ حُقوقُ رَحِمِكَ، فَهَذِهِ حُقوقٌ يَتَشَعَّبُ مِنْها حُقوقٌ.
فَحُقوقُ أئِمَّتِكَ ثَلاثَةٌ :
أوْجَبُها عَلَيْكَ حَقُّ سائِسِكَ بالسلطانِ، ثُمَّ سائِسِكَ بالْعِلْمِ، ثُمَّ حَقُّ سائِسِكَ بالْمُلْكِ، وَكُلُّ سائِسٍ إمامٌ.
وَحُقوقُ رَعِيَّتِكَ ثلاثَةٌ، أوْجَبُها عَلَيْكَ حَقُّ رَعِيَّتِكَ بالسُلْطان، ثُمَّ حَقُّ رعِيَّتِكَ بالْعِلْمِ، وَحَقُّ رَعِيَّتِكَ بالْمُلْكِ من الأزْواجِ وَما مَلَكْتَ مِن الأيْمانِ.
وَحُقوقُ رَحِمِكَ كَثيرَةٌ مُتَّصِلَةٌ بقَدْرِ اتِصالِ الرَحِمِ في الْقَرابَةِ ،
فَأوْجَبُها عَلَيْكَ حَقُّ أُمِّكَ، ثُمَّ حَقُّ أبيكَ، ثُمَّ حَقُّ وَلَدِكَ، ثُمَّ حَقُّ أخيكَ، ثُمَّ الأقْرَبُ فَالأقْرَبُ، وَالأوَّلُ فَالأوَّلُ.
ثُمَّ حَقُّ مَوْلاكَ الْمُنْعِمِ عَلَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ مَوْلاكَ الْجارِيَةُ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَقُّ ذِي الْمَعْروفِ لَدَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ مُؤَذِّنُكَ بالصَلاةِ، ثُمَّ حَقُّ إمامِكَ في صَلاتِكَ، ثُمَّ حَقُّ جَليسٍكَ، ثُمَّ حَقُّ جارِكَ، ثُمَّ حَقُّ صاحِبكَ، ثُمَّ حَقُّ شَريكِكَ، ثُمَّ حَقُّ مالِكَ، ثُمَّ حَقُّ غَريمِكَ الَّذي تُطالِبُهُ، ثُمَّ حَقُّ غَريمِكَ الَّذي يُطالِبُكَ، ثُمَّ حَقُّ خَليطِكَ
(اي الذي يخالطك وتخالطه)، ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الْمُدَّعي عَلَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ خَصْمِكَ الَّذي تَدَّعي عَلَيْهِ، ثُمَّ حَقُّ مُسْتَشيرِكَ، ثُمَّ حَقُّ الْمُشيرِ عَلَيْكَ، ثُمَّ حَقُّ مُسْتَنْصِحِكَ، ثُمَّ حَقُّ الناصِحِ لَكَ، ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أكْبَرُ مِنْكَ، ثُمَّ حَقُّ مَنْ هُوَ أصْغَرُ مِنْكَ، ثُمَّ حَقُّ سائِلكَ، ثُمَّ حَقُّ مَن سَألْتَهُ، ثُمَّ حَقُّ مَن جَرى لَكَ عَلى يَدَيْهِ مَساءَةٌ بقَوْلٍ أو فِعْلٍ أوْ مَسَرَّةٍ بذَلِكَ، بقَول أوْ فِعْلٍ عَن تَعَمُّدٍ مِنْهُ أوْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ، ثُمَّ حَقُّ أهْلِ مِلَّتِكَ عامَّةً، ثُمَّ حَقُّ أهْلِ الذِمَّةِ، ثُمَّ الْحُقوقُ الْجارِيَةُ بقَدْرِ عِلَلِ الأحْوالِ وَتَصَرُّفِ الأسْباب.
فَطُوبى لِمَنْ أعانَهُ اللهُ عَلى قَضاءِ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُقوقِهِ وَوَفَّقَهُ وَسَدَّدَهُ].


فهذه المقدمة قبل الخوض في تفاصيلها تبين كثرة الحقوق وتشعباتها والتي سيسأل الله عنها العبد يوم القيامة وهو من لا تخفى عليه خافية ( إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).


اعاننا الله على اداء حقه ونبهنا من رقدة الغافلين ووفقنا لمراضيه
ونسالكم الدعاء

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com